أولاد الصالحين

 

 

 

الصالحون لهم آمال وطموحات ، وعَزَمات ورغبات ، وهمم أكثرهم متعلقة بمعالي الأمور ، فإذا منّ الله تعالى على أحدهم بامرأة صالحة فقد تيسرت له أسباب السعادة وحاز خير متاع الدنيا ،

وأصبحت همته متعلقة بإنشاء بيت مسلم صالح يغدو جزءاً من المجتمع الذي يريد صلاحه وإصلاحه ، فهو يعلم يقيناً أن صلاح المجتمع بصلاح أسره وبيوته ، وأن السبيل إلى ذلك أن يرزقه الله بذرية صالحة مهتدية تساهم في هذا الصلاح ، ويهدي الله تعالى بها من يشاء.

وأمور الله في كونه لا تجري على مراد العبيد ورغباتهم وإنما تُقضى وفق حكمة عظيمة قد يعلمها البشر وقد يجهلونها ، فقد يرزق الله تعالى عبداً صالحاً ذرية صالحة ، وقد يهب الله تعالى عبداً طالحاً ذرية صالحة أيضاً ، ويهب الله الطالح طالحين ، وقد يهب الصالح طالحين ، وهذه أربع صور للهبات الإلهية موجودة متداولة بين الناس ، وهي صور من الأقدار التي هي خير للعبد في دينه ودنياه وإن جهل الحكمة منها.

لكن من الحالات السالفة الذكر حالة صعبة مؤلمة ، وقعها على النفوس شديد وأثرها عظيم ، ألا وهي الحالة التي يرُزق العبد الصالح ذرية طالحة كلها أو بعضها طالح ، فعلى العبد حينئذ أن يرضى ويسلم تسليماً ، ولا يبدر منه علائم الاعتراض على الأقدار التي يغيب عنه الحكمة من ورائها ، ويتعلل بقوله تعالى : { لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء} ، وقوله تعالى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} ، وقوله تعالى : { إنما أمره إذا أرا د شيئاً أن يقول له كن فيكون} ، وقوله تعالى { بل لله الأمر جميعاً }.

وله أن يطفئ حر صدره بما حصل لبعض الأنبياء العظام والرسل الكرام فهذا نوح عليه الصلاة والسلام رزق ابناً ضالاً ، ولقد حاول هدايته بكل ما أوتي من قدرات فلم يوفق ، وما أصعب هذا المنظر الذي سجله الله تعالى قرآناً يتلى إلى يوم القيامة يقص فيه تعالى اللحظات الأخيرة من الدعوة – دعوة الأب لأبنه : { وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين ، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} وهكذا قضى الله تعالى وقدر لكن الأب الرحيم لم يكتف بهذا بل نادى مولاه ذا الجلال : { رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} .

وليتذكر من رزق بولد طالح أو أكثر قوله تعالى : { والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أُخرج وقد خلق القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين } .


ويمكن أيضاً أن يتفكر العبد فيما يمكن أن يكون الحكمة من وراء هذا القدر الحكيم العظيم ، فلعل هذا العبد قد رُزق بهذا الولد الطالح أو الأولاد الطالحين ليعظم بذلك أجره إن صبر ورضي ، ألم يقل الله تعالى : { إنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب }. ولعله إنما رُزق به لرفعة مكانته وعظيم منزلته عند ربه ، ولا بد لهذه الرفعة والمنزلة من ابتلاء فكان هذا جزءاً من الابتلاء الواقع والبلاء الحاصل ، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : (( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كل يبتلى على قدر دينه )) وقد قال تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهو لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

ولعل من ابتلي بأولاد طالحين إنما ابتلي بهم لذنوب اقترفنها زوجة وهو لا يدري بها ، فإن الله تعالى كما يعاقب الوالد على صنيعه يعاقب الوالدة أيضاً ، والوالدة – عادة – ينالها من الأذى بسبب ضلال الأولاد أضعاف ما ينال الوالد ، فالوالد مشغول بأعماله والوالدة هي التي تواجه مشكلات هؤلاء الأولاد في البيت وتعاني منها أكثر مما يعانيه الوالد ، فلتتق الله تعالى كل والدة ، ولتحرص على ضبط شؤونها حتى تتفق مع أوامر الله تعالى ونواهيه ، ولتعلم هي وزوجها أن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب ولا نسب ، وأنه تعالى يعاقب العصاة من الصالحين كما أنه تعالى يعاقب العصاة من غير الصالحين ، وأنه ليس أحد بكريم على الله تعالى إلا بقدر تقواه واستقامته على الجادة وبعده عن الإصرار على الذنوب وفزعه إلى الاستغفار والتوبة والعمل الصالح.
 


لكن العبد إن رزق بأولاد ضالين – نسأل الله تعالى السلامة والعافية – فعلى الوالدين أن يفعلا ما يلي :


أولاً : الدعاء ، فهو سلاح ماض ، والإلحاح فيه والاستكانة والتضرع والانكسار قد يعجل من الفرج ، ويأتي بما يشتهي الوالدان ويحبان.

ثانياً : النصح الدائم لهؤلاء الأولاد ، وتعهدهم به مرة بعد مرة ، وإظهار الشفقة عليهم ، وبيان الخطر الأكيد الذي هم مقبلون عليه إن ظلوا في ضلالهم وغيهم ، وضرب الأمثلة لهم ، وتقليب وجوه الخطاب معهم.


ثالثاً : الحرص على توفير صحبة لهم ومنعهم من الاختلاط بأصحاب السوء بكل وجه ممكن من الترغيب والترهيب.

رابعاً : إن أصر الأولاد بعد هذا على الاستمرار على ما هم عليه فينبغي على الوالدين أن يميزا بين الصالحين من أولادهم والطالحين ، فلا يصح أن يورد مريض على صحيح ، فليجعل لمن ضل الطريق منهم غرف خاصة إن تيسّر أو إن لم يكن هذا يمنع الوالدان خلطة الفاسد بالصالح ما أمكن.

خامساً : عدم السماح مطلقاً لهؤلاء الأولاد بممارسة معاصيهم في البيت كائناً ما كان الأمر ، وينبغي إفهامهم بل إجبارهم بشتى الوسائل على مراعاة حرمة البيت.

سادساً : إظهار الامتعاض الشديد من تصرفات هؤلاء الأولاد والحرص على إنكارها وعدم التهاون في ذلك أبداً.


سابعاً : الهجر الجزئي أو الكلي لهؤلاء الأولاد حتى يشعروا بفداحة ما صنعوه ، فإنه ليس أثقل على كل من فيه بقايا فطرة سوية أن يهجره والداه ، وهذا الأمر– أي الهجر – لابد منه بعد النصح المتوالي وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يقول لأخيه: اتق الله، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون وشريبه وقعيده)).

ثم إنه ينبغي بعد كل هذا أن لا يلام الصالحون من الآباء والأمهات على ضلال بعض أولادهم أو كلهم إن بذلوا جهدهم وفعلوا كل ما بوسعهم أن يفعلوه ، إذ أن كثيراً من الناس يتصور أن الوالدين الصالحين لا بد أن تكون ذريتهما صالحة ، وهذا تصور خاطئ لا يصح ، والأمر لله يرزق من يشاء ما يشاء ، نسأل الله السلامة والعافية من هذا البلاء ، والله الموفق .

 

موقع تصافينا -بأشراف فضيلة الشيخ غازي بن عبدالعزيز الشمري