|
التربية الوالدية
إننا نهمل قضية التربية الوالدية
وأحياناً نخلط بين ما هو وراثي (يولد الإنسان مزوداً به)
وبين ما هو بيئي (نتعلمه ونكتسبه بعد الولادة من الأسرة
والمجتمع). فكثيراً ما نتعمد إغفال دورنا التربوي ونسمع
مقولة "إن فلانا من الناس ربنا خلقه هكذا". وذلك عندما
نعجز عن تعديل وتغيير سلوكيات أبنائنا.
ورغم أن قضية البيئة والوراثة وأيهما
أكثر أثراً؟ كانت ومازالت مكان جدل من علماء النفس
والتربية ولكن تظل الحقيقة قائمة بأن هناك بعض السمات
وراثية مثل الشكل، ولون العينين، ولون البشرة، والذكاء...
وغيرها من السمات. ولكن هناك الكثير من السمات التي لا
نرثها بل نتعلمها من الوالدين عن طريق التنشئة الاجتماعية،
والقدوة. فسمات كالكرم، أو الصدق، والأمانة من المستحيل أن
تكون سمات وراثية بل نتعلمها من البيئة التي نعيش فيها ومن
الأسرة التي هي مدرسة الحياة الأولى والأقوى بدون منازع.
المهم من وجهة نظري أن الوراثة تعطينا الإطار الذي يولد به
الفرد، والحدود التي يصل إليها في قدراته وتعلمه، والبيئة
تقوم بنقش وكتابة ما في داخل الإطار. وبالتالي ما يكتب
ويرسم في هذا الإطار كثير جداً، لا يعد ولا يحصى. تخيلوا
منذ اليوم الذي نلد فيه ما هي المواقف والخبرات التي نمر
بها؟ فكروا كم نتعلم في اليوم؟ أكيد العشرات والعشرات من
الأمور التي قد نتعلمها شعورياً أو لا شعورياً.
لذلك ومن هذا المنطلق ومن معرفة ماذا
نرث من والدينا؟ وماذا نتعلم من البيئة؟ نرى أن التربية
عامل مهم وخطير فكل سلوكياتنا من ضبط انفعالي وحب للتعاون
والانضباط في العمل، والصدق، والإخلاص حتى أمور ومشاعر مثل
الغضب، والحب والكره والتعصب، وسمات مثل التفاؤل،
والتشاؤم... وغيرها من السمات كلها نتعلمها من البيئة
الأولى التي نلد فيها وهي الأسرة، ومن ناحية أخرى نحن
نتبنى سمات المجتمع الذي نعيش فيه كبيئة أوسع وأكبر.
لذلك هناك سمات تميز كل مجتمع. كما أن
هناك سمات لكل فرد، ولكن تظل الأسرة صاحبة السيادة في ترك
بصماتها في سلوكيات أفرادها. فقد يتسم مجتمع بعدم الانضباط
الوظيفي، ولكن نجد أن فردا ما في هذا المجتمع يتسم بهذه
السمة وذلك نتيجة للتربية الأسرية ولا أنسى تلك المقولة عن
الأسرة التي تقول "أسرتك هي ما حصلت عليه.
هي حدودك.. وهي الاحتمالات التي يمكن أن
تصل إليها. أحياناً قد تبعد كثيراً عنها وتعتقد انك خارج
تأثيرها للأبد، وقبل أن تكتشف الحقيقة ستكون أسرتك بجانبك
مرة أخرى، بعض الناس تدمرهم وتحطمهم أسرهم، وآخرون تسعدهم
وتنقذهم أسرهم. والحقيقة انك ومن الممكن أن تخرج عن أسرتك
ولكن من الصعب أن تخرج أسرتك من ذاتك.
ويكفي أن ترى البنت أو الولد لتعرف
الأسرة كلها وعندما نتزوج لا نتزوج فرداً بل أسرة بكاملها
في عاداتها وتقاليدها وسلوكياتها وحتى في تعاملها مع مواقف
الألم والإحباط. لذلك يكون دائماً سؤالي الأول لكل فرد
يشتكي أو يشعر بالضيق من زوجته (أو زوجها) هل لاحظت الأهل؟
هل يحملون نفس السمة؟ ودائماً لا أخفي عليكم بأنني لا
أفاجأ بالإجابة عندما تكون "والله صادقة يا دكتورة هذه سمة
الأسرة كلها".
|